الشيخ محمد رشيد رضا
244
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ثوابه به كالصدقة الجارية المعلقة على الموت وما يستمر بعده وإن وجد قبله كالصدقات الجارية المبتدأة في عهد الحياة والتصانيف التي ينتفع بها الناس . وبهذا تكون الآية جامعة لجميع الأعمال الصالحة التي هي غرض المؤمن الموحد من حياته وذخيرته لمماته بجعلها خالصة لله رب العالمين . ولفظ الجلالة ( اللَّهِ ) و « رَبِّ الْعالَمِينَ » لم يكن المشركون يطلقونهما على معبوداتهم ولا معبودات غيرهم المتخذة التي أشركوها مع الخالق سبحانه وتعالى ، وقد أنافع ( محياي ) باسكان الياء اجراء للوصل مجرى الوقف وهو مما كان يجري على ألسنة بعض العرب ولا يزال جاريا على ألسنة العراقيين حتى في الشعر فتذكر أيها المؤمن أن الذي يوطن نفسه على أن تكون حياته للّه ومماته للّه يتحرى الخير والصلاح والاصلاح في كل عمل من أعماله ويطلب الكمال في ذلك لنفسه ليكون قدوة في الحق والخير في الدنيا وأهلا لرضوان ربه الأكبر في الآخرة . ثم يتحرى أن يموت ميتة مرضية للّه تعالى فلا يحرص على الحياة لذاتها ولا يخاف الموت فيمنعه الخوف من الجهاد في سبيل اللّه لاحقاق الحق وابطال الباطل وإقامة ميزان العدل والاخذ على أيدي أهل الجور والامر بالمعروف والنهي عن المنكر . فهذا مقتضى الدين يقوم به من يأخذه بقوة ، ولا يفكر فيه من يكتفون بجعله من قبيل الروابط الجنسية ، والتقاليد الاجتماعية ، فأين أهل المدنية المادية من أهل الدين إذا أقاموه كما أمر اللّه ؟ أولئك الماديون الذين لاهم لهم في حياتهم إلا التمتع بالشهوات الحيوانية ، والتعديات الوحشية . يعدو الأقوياء منهم على الضعفاء لاستعبادهم ، وتسخيرهم لشهواتهم ومنافعهم . ولكن المنتمين إلى الدين في هذه الون الأخيرة قد تركوا هدايته ، وفتنوا بزينة أهل المدنية المادية وقوتهم ، ولم يجاروهم في فنونهم وصناعاتهم ، فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين ، ولو اعتصموا بحبله المتين ، وعادوا إلى صراطه المستقيم ، لنالوا سيادة الدنيا وسعادة الآخرة وذلك هو الفوز العظيم ، وعسى أن يكون الزمان قد أيقظهم من رقادهم ، وهداهم إلى السير على سنن أجدادهم ، وما ذلك على اللّه بعزيز * * * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أي لا شريك له تعالى في ربوبيته ، فيستحق أن يكون له شركة ما في عبادته ، بأن يتوجه اليه معه لأجل التأثير في ارادته ، أو تذبح له النسائك لأجل شفاعته عنده ( مَنْ ذَا